حوار رومانسي

اللغة الثالثة 


ثمة خط فاصل بين ثقافة البيت ، وتثقيف المدرسة .
البيت بثقافتة وآدابه الشعبية والمدرسة بأدبها العربي الفصيح.
كأنهما . . جديان متناطحان والتلميذ الذي نشأ في بيئة شعبية ويدرس في مدرسة تقدم الأدب العربي يقف على هذ الخط الذي تتناحر القوتين من أجله.

في أحد الصباحات المدرسية الندية سأل المعلم تلامذته الصغار : 
من منكم يحفظ أنشودة ؟ 
فيقفز تلميذ في آخر الفصل ويرفع يده قائلاً : 
– أنا . . يا استاذ 
الأستاذ : تفضل .
التلميذ بنشوة طفولية :

 الذيب ما له قذلة هلهليه               يا حظ من له مرقد في حشى الذيب !

تعصف بالفصل موجه ضحك ، ، وتتعالى قهقهات الصغار . . ويحاول المعلم ان يمسك بعنان الحصة قبل أن تفلت من يدة ويأمرهم بالسكوت ، ليسأل التلميذ 
– ما معنى هذا البيت ؟ 
التلاميذ وفي صدورهم يحتبس ما بقي من ضحك : 
المعنى في بطن الشاعر .
– يجيب التلميذ : هذا البيت يا أستاذ لطفل آخر من توفي من أولاد رجل عاشق  وكان أولاده أشد عشقاً منه ، لدرجة أنهم ماتوا شهداء في بحر الهوى ، فلما ولد له هذا الطفل الشاعر أوصى أمه على أن الا تريه النساء حتى لا يتعلق بهن ويلاقي مصير أخوته ، وهكذا بقي الطفل حتى بلغ سن الادراك وهو لم يرى امرأة قط سوى أمه وفي أحد الأيام أخذه ابوه إلى المسجد لأداء الصلاة وفي الطريق رأو فتاة جميلة تطل من نافذة منزلها الطيني ، فسأل الطفل أبيه ما هذا يا أبي ؟ فقال الأب : هذا ذئب يأكل الأطفال !
 فاحتج الطفل على أبيه بهذا البيت الأسطوري ليخبر أباه بانه يعرف ما حاول الأب اخفائه وهنا وقعت الكارثة بعدما مسح الأب على رأس ابنه ليتوفي في حينه ويلحق بأخوته العشاق . 
يرد الأستاذ : دع عنك هذه الخرافات والأساطير الشعبية التي ترويها العجائز المتخلفة لأبناءهن قبل النوم . . واحذر ان تتكلم بها مرة أخرى في الفصل . 
ـ تنتهي الحصة ويرن جرس المدرسة ويخرج المعلم وفي رأسه من هذا التلميذ سيلا من الأسئلة ويبقى الطفل مخجولا من رد المعلم ، ويخرج اقرانه يلعبون في ساحة المدرسة إلا هو التزم كرسيه الخشبي ووضع يداه على خديه وأخذ يحاتي نفسه ، وكيف وصف المعلم امه بانها عجوز ومتخلفة ايضا . ويصرخ في داخله صوت يقول :
 لا ، لا ، امي شابة ومثقفة ، وليست عجوزا متخلفة أيها الأستاذ وكل ما تقول هو الصحيح وليس خرافات وأساطير . . يعود التلاميذ بعد نهاية الفسحة ويأتي معلم آخر والطفل غارق في حديث طويل مع نفسه محاولاً تبرئة موقفه وصورة أمه في عين المعلم ، ولم يصح إلا على رنين الجرس المدرسي معلنا انتهاء اليوم الدراسي ليخرج مع بقية زملائه ويذهب إلى منزله القريب من مدرسته .
 يطرق الباب وتفتح له أمه وما ان رأها حتى ارتمى في حضنها باكيا ،  وتسأل : ما بك يا حبيبي ماذا يبكيك ؟ ولم يرد في بداية الأمر ، ، وبعد الحاح منها خرجت من بين شفتيه الجافتين وبصوت مبحوح كلمة : المعلم !! . 
هل ضربك من أول يوم دراسي ؟ 
لابد أنك فعلت شيئاً يغضبه .
 ثم انزلته على الأرض وجففت دموعه بمنديل حنائها ، وانزلت حقييته المعلقة على ظهره ، وأخذته إلى غرفته وهي تسأله عما أبكاه فسرد لها الحكاية وكيف أن المعلم وصفه بالتخلف وامه التي ربّته وانها عجوز مخرفة .

 صمتت الأم لحظات محاولة اخفاء ثورتها وحنقها على المعلم ، وقامت بملاطفة طفلها والحديث معه بما من شأنه تخفيف حدة تأثره  بكلام معلمه عندما القى البيت الشعري وبعد ان هدئ الطفل أخذ يناقش والدته بالقصائد والحكايات الشعبية التي اعتاد سماعها منها ، ومدى صحتها ، ولماذا استهزئ به المعلم امام التلاميذ عندما القى ذلك البيت فأجابته : 

ليس المخجل يا صغيري حفظ الحكايات الشعبية وما تحويه من قصائد رائعة ، بل المخجل أن يصف مربي اجيال الاهتمام بالموروث الشعبي بالتخلف والجهل فما من أمة إلا ولها آداب وفنون شعبية تميزها عن غيرها من الأمم وتحفَظ مآثرها  وتاريخها الطاعن في الزمن . 
ولكن ليس من الواجب عليك ان تلقي بيتا من الشعر الشعبي في قاعة درس ، إن لكل مقام مقال  وقاعة الدرس ليست مكاناً لالقاء الشعر . 
يعارضها الطفل : ولكنه يا أمي طلب منا أن نلقي انشودة  الأم : كان عليك أن تلقي من الأناشيد التي حفظت في العام الماضي . 
الطفل : لقد انستني العطلة الصيفية اغلب ما حفظته من اناشيد ولم أنسى ما اسمعه منك من قصائد فألقيت ما كان في ذاكرتي حاضر . . وإذا كانت القصائد التي اسمعها منك عيبا ومن غير اللائق ان ارويها لغيري فلماذا تحفظينها . 
الأم : أنا يا حبيبي لم أقل انها عيب ومن غير اللائق روايتها ، ولكن الخطأ الذي وقعت به ، انك رويتها دون ان يطلب منك أحد أن تروي قصيدة شعبية .
 الطفل : إذاً يا أمي لن أروي لأحد مهما كان إلا عندما يطلب مني . 
الأم : نعم يا بني وهذا من آداب الكلام الذي يجب أن تتحلى به في الفصل وفي كل مكان ترتاده .
 الطفل : ولكن لماذا قال العلم ان امك عجوز متخلفة ؟ تضحك الأم ثم تجيبه : هذا جهل منه . . يقاطعها الطفل : كيف يكون جاهلاً وهو معلم ؟ !
 تجيبه : قد يكون ملمّاً بمادته التي يدرسها ولكنه يجهل الكثير من الأمور التي يعتبرها خارج تخصصه المنهجي ، ولكن عندما يقول لك ان الثقافة الشعبية تخلف وخرافات فقل له ان أنجب أديب ولدته العربية اتكأ على ثقافته العّامية ووصل بها إلى العالمية ، وحصل على جائزة نوبل للآداب ولم تكن لهجته الشعبية التي يكتب بها عائقا دون الوصول بها إلى أعلى الجوائز الأدبية . 
 إن اللغة ما هي إلا وعاء – وكل وعاء بما فيه ينضح ۔ والمقياس يكون على ما يحويه هذا الوعاء اللغوي من فكر وأدب وليس على اللغة أو اللهجة التي تحمله . وأخبره ايضا ان « عبدالله الجفري » أحد أهم رموزنا الأدبية يكتب لنا بلهجته الحجازية ولم يمنعه ذلك من تكوين قاعدة جماهيرية عربية ، بل انه حصل على جوائز مهرجانات خارج حدود وطنه ، وما هذا الا دليل على أن اللهجة الاقليمية ليست عائقا يستحيل تخطيه مادام ان تلك اللهجة تحمل أدباً حقيقيا ، بل لو أنه حاول الكتابة بغيرها لفقد التفاعل الذي يجده عندما يكتب بلهجته التي نشأ عليها ، والتفاعل يجعل المبدع يلتحم مع عمله ويتولد عن هذا الالتحام الصدق الذي هو اساس أي عمل ابداعي .

 ـ قالت المرأة هذا الكلام والطفل بذاكرته الطرية كأنه جهاز تسجيل يحفظ الكلمات ولا يعي جميع معانيها ، ولم تكن الأم تقول هذا الكلام لطفل لا يفهم كل هذه المعلومات إلا من أجل ايصالها لمعلمه التي وصفها بالتخلف والخرف . 

ثم أخذت تطبطب على ظهره وتترنم بأهزوجة شعبية حتى نام طفلها .
 وفي الصباح الباكر ذهب الطفل إلى مدرسته وهو يحث خطاه على المشي مستعجلا على إلقاء ما لقنته والدته على معلمه . 
– دخل الفصل وجلس على كرسيه وهو يستعيد محاضرة امة البارحة وما أن دخل عليهم المعلم حتى استعد ولما رأه المعلم قال مازحا :
 كأنك تريد ان تلقي قصيدة أو تروي حكاية شعبية .
 فتهلل وجه الطفل حينما سنحت له الفرصة للرد على استهزائه به يوم أمس والقي على معلمه جميع ما سمعه من أمه . . كلمة . . كلمة وعبارة . . عبارة . . والمعلم منصت له وغير مصدق بهذه المعلومات والأدلة التي يستشهد بها طفل في المرحلة الابتدائية وعرف أن وراءه نهر يستسقي منه ، وتركه حتى انتهى من كلامه ثم اغلق الموضوع وبدأ في شرح مادته وكأن شيئاً لم يكن ، وبعد انتهاء الحصة طلب من التلميذ المجيء إليه في مكتبه . 
 – خرج المعلم وبعد لحظات لحقه التلميذ في مكتبه واستأذنه فأذن له وأجلسه بجانبه وأخذ يداعبه ويحادثه خارج نطاق المدرسة ليخفف من حدة توتره فسأله عن أبيه ومكان عمله فأخبره التلميذ بأن والده متوفى وانه وحيد امه ويسكنان معاً  في بيت جده  ، فتأكد المعلم ان امه هي التي لقنته ما القاه في الفصل وأخذ يحادثه في الموضوع ويوضح له وجهة نظره وهي انه لا ينبذ الآداب الشعبية ولكن الفصل ليس مكانا لها – فقاطعه التلميذ قائلا :
 إذاً لماذا وبخّتني أمام زملائي ووصفت أمي بالتخلف والجهل ؟
 فرد المعلم : أنا يا ابني لم أقصد أمك بذاتها ، ولكن الغالب أن كبيرات السن هن اللاتي يحفظن مثل تلك الحكايات والأحاجي والقصائد الشعبية ، ولا يمنع ان يحفظها الفتيات المثقفات أمثال والدتك ، وحتى أنا من أشد المهتمين بالآداب الشعبية ، وليس أدب بلدنا فقط ، بل جميع الآداب الشعبية في الدول العربية لإيماني بان الأدب الشعبي مفتاح فهمك لشخصيات الشعوب ، ولن يستطيع أحد أن يفهم شعب معين مالم يطلع على آدابه الشعبية ، انني يا ابني لا انكر قيمة الآداب الشعبية ولكن غضبي عليك لأنك القيتها في فصل دراسي ولم أطلب منك القائها .
– قال المعلم ذلك وهو يعرف انه يناقش \”الام\” من خلال طفلها الجالس أمامه ، ثم أذن له بالانصراف فانصرف وهو مزهوا بالانتصار لقناعته ، وما أن خرج من المدرسة ذلك اليوم وذهب إلى منزله واستقبلته امه كعادتها حتى سرد عليها مادار بينه وبين معلمه ، فشجعته امه على جرأته الأدبية ، وهي مسرورة بصغيرها على ما فعله وقد ذهب عنها ما كان في قلبها على معلمه ، بل انه داعبها شعور معاكس لشعورها الأول من جراء حديث طفلها عن معلمه واعتذاره منه .

 ومرت الأيام والطفل ما بين المرّة والأخرى ينقل لأمه بعض مظاهر اهتمام المعلم به ، والأم تشجع صغيرها على رد الاحسان بمثله حتى نشأت علاقة  ود  خفية بين المعلم والأم من كثر ما يروي الطفل لكل منهما من مواقف واخبار للآخر . 

وهكذا ترعرت المحبة في قلبيهما كأنها نبتة برية تساقيها المزون حتى تفتحت ازهارها وفاحت رائحتها الزكية ، والطفل لا يزال كذلك ينقل للآخر ما يسر الفؤاد حتى قاربت السنة الدراسة على الانتهاء ، واستعد الكل للامتحان فعرض للطفل عارض صحي الزمه الفراش ثم ساءت صحته ونقل إلى المستشفي ثم ارسل تقرير طبي عن حالة الطفل إلى المدرسة ليقوم مدير المدرسة بتوجية المعلم الذي يشرف على صف التلميذ المريض باختباره في المستشفي فصفق قلب المعلم وارتعشت اطرافه فرحا بهذا التكليف الذي سيقربه اكثر من الأرملة الشابة التي ترافق طفلها في المستشفي وفي صباح أول يوم من الامتحانات استيقظ المعلم على دقات قلبه المولع سمعا بأم تلميذه كأنها تنبهه باقتراب لحظة اللقاء . 

ذهب المعلم إلى مدرسته وأخذ ما يحتاجه من الأوراق ومنها إلى المستشفى الذي يرقد به التلميذ ، وهناك تلاقت العيون وتهامست والقت كل منهن في قلب الامر سهم العشق والهيام والتيتم ، ومرت ايام الامتحانات على الطفل كأنها سنين وعلى العاشقين كأنها دقائق . . بل ثوان .


 انتهت الامتحانات ونجح الطفل بامتياز وقبل أن تقدم السيدة شكرها العميق للمعلم على ما قدمه من مساعدات لطفلها ، أتاها يجذبه الحنين والوله مبديا رغبته بالارتباط بها فكان قبولها شكراً له ونزولاً عند رغبة قلبها المعلق به الذي احتفل قبل الاحتفال بليلة الزفاف ، ثم اشعلت فوانيس الفرح في ساحة بين مدرسة العريس ومنزل العروس ونثرت العطور ودقت الطبول وشاركم الجمع هذا الاحتفال وبارك لهم هذا الاقتران الذي عقد بين الأدب العربي ورافد الشعبي عقد صلح ووئام .
 وبعد عدة أشهر وضعت السيدة من معلم طفلها بنتاً جميلة هي \”اللغة الثالثة\” التي نتحدث بها الآن نتيجة تفاعل البيت بأدبه وثقافته الشعبية مع المدرسة بأدبها العربي الفصيح .

وهذة من مميزات لغة \”الضاد\” انها تثري المحتوى اللغوي بلهجات متعددة تتفرع منها ولا تبتعد عنها. 

2 Comments

اترك تعليقًا على أبو بسام إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s