المدير ابوشنب

مررت على مدى خدمتي الوظيفية التي تجاوزت عقدين من الزمن بعدد من المدراء والقيادات الادارية الذين كان لهم الأثر في مسيرتي وحياتي ، فيهم الملّهم وفيهم الموجّه ومنهم ما دون ذلك الى درجة ان من البعض القليل استفدت من اخطائه!
 يبرز في ذاكرتي اهم هؤلاء واكثرهم أثراً معالي الإستاذ حمد بن ابراهيم الرشودي مدير عام الجمارك السابق والأشهر و الأطول فترة ادارية في عمر الجمارك السعودية.
سأذكر اولاً قصتي معه ثم سأورد قصص الاخرين الذين روّوها لي مباشرة او نقلاً عنه 
في مطلع عام ١٤١٦هـ عملت مؤقتاً مفتش جمركي في مطار الملك خالد الدولي بالرياض ريثما اجد وظيفة رسمية وفي اول شهر اعمل به سقطت يديّ على كمية مخبأة من الهيروين المخدر في كرتون قدم به راكب آسيوي ، وفهمت ان هذا الكرتون معبأ مصنعي لذا يجب ان يبلغ به معالي مدير عام الجمارك آنذاك حمد الرشودي وكان وقت الضبط متأخراً قبيل الفجر فأنتظر المسؤولين حتى بداية الدوام وتم التواصل مع مكتب معاليه ليصدر التوجيه بضرورة عرضه عليه ربما لأن طريقة التخبئه في جدار الكرتون السميك تضبط لأول مرة فأخذنا الكرتون برفقه عدد من مسؤولي جمرك المطار وذهبنا الى مقر مصلحة الجمارك وهناك استقبلنا بحرارة وفخر وأخذ يشيد بجهود الجمارك وقال انتم العيون الساهرة التي تشارك في حفظ امننا وشرحنا له كيفية الضبط وحيثيات الواقعة ثم اوضحت له وضعي الوظيفي مؤقتاً واصدر توجيهه الفوري بإلحاقي بالجمارك موظفاً رسمياً بمرتبة شهادتي الجامعية وأمر بصرف مكافأة ماليه عاجلة وخرجت من مكتبه وكأني أمشي فوق السحاب من النشوة والاعتزاز بالعمل الجمركي.
ومن المواقف التي تحضرني نقلاً عمن عمل معه موقفه مع الناسخ الذي تم استدعائه للعمل مساء وهو من جنسية عربية يقول قدمت على اوتوبيس \”خط البلدة\” وانهيت المهمة العاجلة واستأذنت مدير مكتبه وانصرفت وانتظرت طويلا على الشارع حتى خرج على معاليه بسيارته ورآني ثم توقف وطلب مني الركوب لإيصالي وحاولت ان اعتذر ولكن تحت اصراره ركبت وفي الطريق اخذ يسألني عن وسائل النقل التي استخدمها للوصول الى عملي يوميا واحياناً مرتين في اليوم في مثل ظرف تلك المهمة وقبل ان ينزلني عند سكني البعيد تفاجأت بأنه قد جهز لي شيكاً به مبلغ مجزي من المال وقال : لا يأتي نهاية الاسبوع الا وقد اشتريت سيارة حتى يسهل عليك الوصول للعمل متى ما طلبناك ، يقول شكرته وفي اليوم التالي اشتريت بجزء من المبلغ سيارة واستفدت من الباقي في شراء وبيع سيارات اخرى بعد ان استهوتني المهنة واصبحت اقوم بالتصدير الى بلدي في كل إجازة وهكذا حتى تحولت الى  تاجر سيارات. 
ويذكر لي احد الذين عملوا معه وكان مسؤولا اعلاميا عما يكتب في الصحف وتقديم تقرير مختصر يومي يقول وكان من ضمن مهامنا إبلاغه بالوفيات من اجل ارسال برقيات التعازي وقد فات علي ابلاغه عن وفاة كنت أرى عدم اهميتها في تقديري  فلما علم استدعاني ولامني وقال: مرة ثانية لو يموت {……} اكرمكم اللهبلغني وانا اقرر نرسل تعزية او لا .
 في مثل هذه المواقف عبر ودروس تبقى وان ذهب زمنها.
 ومن الطرائف ذات البعد القيادي انه دعى لحضور مناسبة جمركية بعد مغادرته العمل بسنين طويلة وقد اخذت منه الحياة حيويته وعنفوانه وكان معروفاً بشنبه وحينما جاءه الداعي  رد عليه مازحاً : الجمارك يبيلها شنب ! وانا مثل ما ترى ما عاد لي شنب واخذ يضحك ، متعه الله بالصحة والعافية فقد كان قائداً وملهماً ورجل دولة من طراز نادر
***
بعد رحلة بين المنافذ البرية قررت العودة للرياض لظروف كثيرة وقد طلبت من المسؤولين تقديرها واعادتي الى مكان انطلاقتي الاولى وحاولوا اقناعي بالبقاء ولكن الظروف تزداد بضغوطها حتى ارغمتني على التمسك بقرار العودة وانا انتظر النقل جاني الرد صادماًسنعيدك ولكن لا تتوقع ان نزيح احد من الهوامير ! ونضعك مكانه
ورديت باستغراب: لا اريد مكان احد.
وبعد مصطلح \”الهوامير\” فقدت الثقة في المعايير المهنية للعمل الاداري وشعرت ان الأمور تدار  بأسلوب هوامير البحر مع الأسماك الصغيرة.
هكذا اوحى لي التعامل وكان يغلب على تلك المرحلة انه يوجد لأكثر من ادارتين مدير واحد بعضهم قد تقاعد وتم التمديد له ، فكتبت محتجاً: 

انا ضد التعدد ليس في الزوجات! ولكن في تولي مهام المسؤوليات. انا ضد التردد في منح الثقة للشباب الكفاءات. انا ضد التمدد في سنين الخدمات. ومن بلغ سن التقاعد ريحوه ، خلوه يتفرغ لأم عياله والطاعات.

 وبعد سنتين من المقام في الرياض  اشترطوا على الترقية الذهاب للمنافذ فعدت مرغما 
 وبعدها دخلت مرحلة التذبذب كسهم في بورصة يضارب الهوامير عليه ثم يحملونه خسائرهم.
 والجمارك تتهيأ في هذه المرحلة التي تلملم اطرافها للانتقال من مصلحة والتحول الى هيئة لا أنسى ان اذكر اكثر اسمين يتم تداولها لدى الموظفين لأثرهما الإيجابي ودورهما الفعّال في العملية الأدارية هما استاذ التنظيم الإداري سليمان التويجري ومدير المدراء ضيف الله العتيبي الذي خرج من عباءته عدد من مدراء المنافذ ولا زالت مدرسته الإدارية جمرك البطحا تزف للمنافذ مدراء دفعة بعد دفعة.

الأثر الطيب يبقى ويستمر مثل الصدقة الجارية .

6 Comments

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s