العودة من الكويتق

الى المستوي بالقصيم

فقد والدي محمد بن نقا الاسيمر المطيري أباه وهو طفل صغير على مورد ماء يعرف بأم حزم وهي نقرة في نفود تسمى صعافيق شرق المستوى في منطقة القصيم وترحل مع أمه وجماعتهم في صحاري نجد حتى كبر وفي ظل التحولات الاقتصادية والأجتماعية أبان توحيد المملكة ذهب بحثاً عن فرص عمل لتحسين ظروفه المعيشية
كان ذلك في بداية الخمسينات الميلادية  فترة اكتشاف النفط ونشوء الأعمال على امتداد الخليج العربي حيث رحل إلى الظهران ومروراً بميناء عينين الجبيل لاحقا حتى استقر به المقام في الكويت عاملاً في شركة يتقاضى مرتبه بالروبية قبل سك عملة الدينار ثم موظفا حكوميا وهناك تزوج من والدتي ابنة عبدالله ابو رمية جدّي لأمي رحمهما الله وقد عاصر تدرجات النهضة من استخدام السيارات وسكن المنازل الاسمنتية وخدمة الكهرباء وبقي كذلك فترة من الزمن حتى عام ١٩٦٨م او بعدها بعام قرر العودة من الكويت  الى مواطن الأجداد كان القرار قاسي وصادم لدي اقربائه وحاول بعضهم ان يثنيه او يؤثر عليه ولكنه أصر على تحقيق رغبته في العودة  وفعلاً عاد وحاول ان يحفر بئر ويزرع نخيل في مراتع صباه ويتردد على الكويت ثم قام وانزل عائلته في هجرة لجماعته تسمى الفروثي في ضواحي محافظة المجمعة في منطقة الرياض وهناك بقي سنتين او ثلاث وسرعان ما تفرق سكانها على المدن الاكبر بحثاً عن الخدمات والوظائف وفي تلك السنه ولدتني امي رحمها الله في المجمعة عام ١٣٩١هـ وفي نهاية السنة ذهبوا للحج واخذوني معهم الى مكة ومشاعرها ثم زاروا المدينة ومسجدها  وفي عام ٩٢ كان قد اكتمل حفر البئر في نقرة ام حزم في منطقة القصيم .
 
وتم بناء منزل طيني في الهجرة التي أسسها اميرها عوض المقهوي يرحمة الله شرق النقرة بعدة كيلومترات ثم من بعده ابنه متعب حيث قام والدي بزراعة النخيل والاستقرار الدائم وفي ام حزم ساهم مع صديقه ابوفيحان نايف بن عوض المقهوي يرحمه الله في بناء المدرسة الابتدائية ثم قام بانشاء محطة وقود ومن خلال مولدها الكهربائي تم تزويد البيوت الطينية التي لايتجاوز عددها ستة بخدمة الكهرباء  ثم الاهتمام والعناية بالمسجد حتى كأنه بيته الثاني وقائم عليه مؤذناً وإماما وعناية تطوعا واحتسابا وقد عشنا حياة هانئة وسعيدة وكان اهل القرية في ترابطهم وتقاربهم أسرة واحدة ويمكن ان اذكرهم محبة ووفاء من الشرق بيت ابناء عوض المقهوي نايف ومتعب وابنائهم ثم بيت ابناء دويلان غازي ونخيلان وحزام واخوانهم ثم بيت ابناء عوض المقهوي الآخر طلال وفهاد ومناحي وفي المقابل المسجد ثم بيتنا ثم بيت ابومحمد صعفق المقهوي وابنائه والأخير غربًا بيت ابومساعد فهد بن نزال وابنائه ووالده رحم الله من توفى وغفر لهم ومتع من بقي بالصحة والعافية .

الصورة اعلاه لجزء من بيتنا الطيني في ام حزم والأدنى صورة والدي يرحمه الله بالزي الوظيفي في الكويت .

كان والدي محباً للكويت ولا ينكر خير الله عليه منها وأجمل أحاديثه عن ذكرياته في الكويت واثناء الغزو الغاشم على الكويت عام ١٩٩٠م افاد انه لو طلب منه العودة للخدمة او التطوع لما تردد وحينما قدم الينا اهل الكويت بعض جيران والدي واقاربنا قام ببيع كثير من ممتلكاته وبعض سيارتنا وجزء من مصوغات والدتي وقاموا بتوزيعه عليهم في الايام الاولى من قدومهم كان محباً ووافيا للكويت وأهلها.
وامتداد لهذا الترابط العاطفي الكويتي السعودي في نفسي فقد انعكس على ثقافتي فأصبحت اعيش بالسعودية بثقافة كويتية والعكس حينما نزور الكويت يشعرونني بسعوديتي اكثر حتى انني احيانا في ذروة هذا الاحساس اشعر بالتشتت وغربة الانتماء واتمنى لو انها بلد واحد ولكن بعدما كبرت ووعت ابعاد هذه المتلازمة اتعامل معها بروح رياضية كأنحيازي مع المنتخب الأخضرضد الأزرق في دورة كأس الخليج العربي.
عشت حياتي في ام حزم ولم يكن في بيتنا تلفزيون بسبب تدينه حتى انه يلقب بالمطوع ولكن استعضنا عنه بتوفير الكتب سواء الدينية او في التاريخ والأنساب وكذلك في الشعر والقصص وفي مختلف العلوم حتى تكون لدينا مكتبة واصبحت القراءة عادة يومية ممتعة وكان والدي يرحمة الله يتابعنا بهدوء ويرسخ فينا قدوته دون املاء او ألزام الا في أداء الصلاة وكان يوقظنا لصلاة الفجر ومن لا يستيقظ لايوقظة مرة اخرى للمدرسة وقد اتممت مراحل دراستي الابتدائية في ام حزم والمتوسطة والثانوية في معهد الغاط العلمي ثم الجامعة في القصيم وتحديداً بريدة  حتى تخرجت منها والتحقت بوظيفة في الرياض مع شقيقي سعدالذي سبقني بسنتين او ثلاث في الوظيفة بينما عاد شقيقي الأكبر سعودالى الكويت بعد التحرير وهو الذي قضى طفولته الأولى بها وربما اشتاق وعاد اليها .

واصبحنا نحن نتردد على والديّ في ام حزم كل اسبوع حيث بقي عندهما شقيقي الأصغر نقاوفي أوائل عام ١٤١٩هـ توفي ابي واضطررنا للانتقال بوالدتي وبقية الأسرة الى الرياض وكنت اعتقد أنها بداية الاستقرار ولم اعلم انها مرحلة جديدة ، فقد تم نقل عملي الى الاحساء وبدأت رحلة حدودية طويلة كتبتها في تدوينه حدود الربيع السعوديتجاوزت العشر سنوات وذات محطات متعددة الى نجران وعسير وجازان ثم العودة للرياض واستكمال الرحلة الى منطقة الحدود الشمالية ومنها الى جولة في الجوف وقبلها زيارة عمل الى تبوك حتى لم أعد انتمي الى منطقة معينة بل الى وطن كبير في كل بقعة منه ذكرى جميلة وتولدت لدي قناعة ان الحياة محطات عبور وان العمر يمضي كقطار سريع لا يكاد يتوقف في محطة حتى يلتقط انفاسه ثم يكمل مشواره الى نهاية الحياة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s